الثوم: فوائد صحية وعلاج لأمراض عديدة

الغد_ الثوم، لا يكاد بيتٌ يخلو منه، فهو من أهم الأطعمة المستخدمة في الطبخ. يعلم الجميع أن للثوم فوائد عديدة، ولكن قليلون هم من يعرفون حقيقة فعاليته، ومقدار هذه الفوائد علمياً، وإلى أي مدى تشير الدراسات السريرية أنه من الممكن أن يحسن من صحة الإنسان


الثوم وتاريخه العريق

يعد الثوم نبته عشبية معروفه منذ القدم، حالياً تتوافر في معظم بلدان العالم، وهي نبته معمره، تستطيع العيش لمدة تزيد عن سنتين. تنمو هذه النبتة بشكل عمودي فوق التراب، أما الجزء السفلي منها فهو عبارة عن بصيلة تتكون من (10-20) فص، بالإضافة إلى جذور صغيرة. فصوص الثوم هي الجزء المستخدم من النبتة، وقد استخدمت من قبل حضارات كثيرة، خصوصاً الحضارة المصرية، لمعالجة عدد من الأمراض التي تصيب الإنسان مثل أمراض القلب، والصداع، والأورام، واللسعات المختلفة. كما استخدم الثوم خلال الحرب العالمية الأولى والثانية كمطهر وذلك لمنع حدوث الغرغرينا.


المواد الفعالة الموجودة في الثوم

بالإضافة إلى الماء يحتوى الثوم على العديد من المواد الغذائية، منها البروتينات والكربوهيدرات والأحماض الأمينية والدهون والألياف والأملاح والفيتامينات وغيرها، ولكن معظم الفعالية العلاجية التي يقدمها الثوم تأتي نتيجة احتواءه على مركبات كبريتية (sulfur- containing compounds)، حوالي 33 مركب، وهي أيضاً مسئولة عن الرائحة التي تنبعث من الثوم. يعد مركب الألين (alliin) أحد أهم المركبات الكبريتية الموجودة في الثوم الطازج أو الجاف، وفي حقيقة الأمر يتواجد هذا المركب في حجيرات مغلقة وهو لا يعطي  أي فائدة علاجية، ولكن بمجرد أن يتم تقطيع الثوم أو طحنه أو خلط مطحون الثوم الناشف بالماء يخرج هذا المركب من حجراته ويختلط بإنزيم الألينيز (alliinase)، والذي يعمل على تحطيم هذا المركب وتحويله إلى مركب آخر هو الأليسين (allicin)، والذي يعطي معظم الفعالية العلاجية للثوم. ولكن يعد الأليسين (allicin) مركب غير مستقر بمعنى أنه يتحطم ويفقد فعاليته بسرعة، ومن هنا جاءت حكمة الله سبحانه وتعالى في جعل تكوين هذا المركب فقط عند تقطيع الثوم أو طحنه، أي عندما يتم تجهيزه للأكل، وبالتالي تبقي فعاليته العلاجية موجودة.

يجدر بالذكر هنا أن فعالية الثوم العلاجية تقل كثيراً عند تعرضه للحرارة (أثناء الغلي أو الشوي)، وذلك بسبب تحطيم الحرارة لإنزيم الألينيز (alliinase) وبالتالي منع تحويل مركب الألين (alliin) إلى بقية المركبات الكبريتية الفعالة.


مستحضرات الثوم الطبية

تُصنع المستحضرات الطبية للثوم بعدة طرق، أحد أهم هذه الطرق يتم من خلالها إنتاج ما يسمى بمستخلص الثوم طويل العمر ((aged garlic extract والذي يتميز بعدم انبعاث رائحة الثوم منه، وهنا يتم نقع قطع الثوم في محلول كحولي مائي لمدة 20 شهر على درجة حرارة الغرفة العادية، ومن ثم يتم تصفيته وتركيزه تحت ضغط ودرجة حرارة منخفضين، بعد ذلك يتم تصنيعه على شكل حبوب، أو كبسولات، أو حتى على شكل سائل. من الممكن أيضاً إنتاج مستحضرات للثوم من خلال تنشيف الثوم وطحنه ومن ثم تصنيعه على شكل حبوب أو حتى بيعه على شكل مسحوق جاف. وفي بعض الأحيان يتم استخلاص زيوت الثوم بالإيثر (ether) أو من خلال نقعه بالزيت أو تقطيره بالبخار. من الممكن جعل منتجات الثوم خالية من رائحته، والتي تعتبر مزعجة لبعض الناس، وذلك عن طريق إزالة فعالية إنزيم الألينيز (alliinase)، أو إضافة مواد مثل الكلوروفيل أو البقدونس والتي ستعمل على امتصاص هذه الرائحة. من المهم معرفة أن منتجات الثوم الجاف تُحفظ في علب مغلقة جيداً ويتوجب وضعها بعيداً عن الضوء، والرطوبة، ودرجات الحرارة المرتفعة.


الفوائد الطبية أو العلاجية التي يمنحها الثوم

من أهم ما يميز الثوم تعدد فوائده، فهو لا يعالج مرض بعينه وليس مخصص لحالة مرضية معينه، وإنما يعطي فوائد علاجية تساعد في علاج حالات مرضية كثيرة ومتنوعة، وللحصول على هذه الفوائد يفضل تناول ما يعادل (2-4) غرامات من الثوم الطازج يومياً، حوالي (2-4) فصوص من الثوم كل يوم. تم إثبات بعض الفوائد العلاجية للثوم بشكل قاطع من خلال الدراسات السريرية، وبعض الفوائد الأخرى اكتشفت عن طريق الخبرة العلمية والتجريبية في العلاج بالثوم، وبعضها الآخر تعد استخدامات شعبية للنبتة. فما يلي سنذكر أهم الفوائد العلاجية للثوم ونتائج الدراسات التي أجريت للتحقق من صحة هذه الفعالية العلاجية:

أولاً: التخفيف من تصلب الشرايين وكغذاء مساعد لمعالجة الاضطرابات الدهنية، حيث أثبتت الدراسات أن الثوم يعمل على منع إنتاج الكولسترول (cholesterol) في الكبد، كما يؤدي إلى تثبيط تصنيع الأحماض الدهنية ((fatty acids والدهنيات الثلاثية (triglyceride)، وبالتالي فإن تناول الثوم يقلل مستوى الكولسترول السيئ (LDL)، والدهنيات الثلاثية (triglyceride)، بينما يزيد من تركيز الكولسترول الحميد (HDL) بالدم. بينت بعض الدراسات التي أجريت على أشخاص مصابين بارتفاع الدهون بالدم أن تناولهم للثوم بمقدار 600- 1000 ملغم يومياً ولمدة 8- 24 أسبوع أدى إلى تخفيض مستوى الكولسترول بالدم بنسبة 9%. وبالتالي من الممكن استخدام الثوم كغذاء يساعد في معالجة ارتفاع الدهون بالدم إلى جانب الأدوية وليس كبديل لها. وأظهرت دراسات أخرى أن تناول الثوم بشكل دائم يحمي من تصلب الشرايين ويخفف من تطور هذا المرض من خلال عدة آليات.

ثانياً: تخفيض ضغط الدم المرتفع، وهنا أيضاً أثبتت الدراسات السريرية فعالية الثوم في التخفيض من ضغط الدم المرتفع، وكلما زاد مقدار الارتفاع بضغط الدم تزداد فعالية الثوم في تخفيضه. أظهرت نتائج عدة دراسات أن استخدام الثوم من قبل المرضى المصابين بارتفاع ضغط الدم يؤدي إلى تخفيض ضغط الدم الإنقباضي بمقدار يتراوح ما بين (5.6- 11.2مليلتر زئبقي)، بينما انخفض ضغط الدم الانبساطي بمقدار يتراوح ما بين (5.8- 8.8 مليلتر زئبقي). بشكل عام ينصح باستخدام الثوم إلى جانب الأدوية لمعالجة هذا المرض الشائع، كما يمكن استخدامه وحيداً في معالجة الحالات الطفيفة من ارتفاع ضغط الدم. ويجدر بالذكر أن الثوم يعمل على تخفيض ضغط الدم المرتفع، بينما لا يؤدي إلى انخفاض ضغط الدم إذا كان ضغط دم الإنسان طبيعياً.

ثالثاً: معالجة مرض السكري، حيث يستطيع الثوم المساعدة في علاج مرض السكري من النوع الثاني من خلال زيادة إفراز البنكرياس للإنسولين والتقليل من مقاومة الجسم له، لذلك ينصح بتناوله من قبل هؤلاء المرضى إلى جانب الأدوية للحصول على نتائج علاجية أفضل، وهذا ما أكدته العديد من الدراسات.

رابعاً: كمميع للدم ومضاد للتخثر، أجريت العديد من الدراسات في هذا المجال، وأثبتت معظمها أن للثوم القدرة على حماية الأشخاص المعرضين لتخثر الدم، أو حتى الأشخاص الأصحاء، من خطر الإصابة بالجلطات ومنع تكون الخثرات بالدم، وذلك بسبب احتواء الثوم على مواد تعمل على منع تجمع الصفائح الدموية، ومن أبرزها مركب الألسين  (allicin)، بالإضافة إلى مركب الأجوين (ajoene) والذي ينتج من تحطيم مركب الألسين، وبالتالي لا يتواجد هذا المركب في الثوم الطازج.

خامساً: يعمل الثوم كمضاد للأكسدة، ويساعد أيضاً في التخفيف من حالات القلق التي قد يتعرض لها الإنسان. بينت الدراسات أن فعالية الثوم كمضاد للأكسدة تختلف إذا كان الشخص مدخناً أو غير مدخن، وبالتأكيد كانت فعاليته كمضاد للأكسدة أكبر لدى الأشخاص المدخنين، وتستمر هذه الفائدة ما دام الإنسان يتناول الثوم بشكل مستمر وتنتهي بمجرد التوقف عن تناوله.

سادساً: الحماية من أمراض السرطان، بينت بعض الدراسات أن تناول الثوم بكميات وافرة يحمي الشخص من الإصابة بسرطان المعدة، وسرطان القولون والمستقيم. كما قد يفيد الثوم في التخفيف من أمراض البروستات، فتناوله من قبل الأشخاص المصابين بتضخم البروستات الحميد يؤدي إلى التقليص من حجم الغدة البروستاتية، كما يساعد في علاج سرطان البروستات ولكنه ليس بديل للعلاج الدوائي.

سابعاً: مضاد للالتهابات، حيث يتميز الثوم بقدرته على محاربة العديد من البكتيريا والفطريات وبالتالي يحمي من الإصابة بالالتهابات التي تسببها. من الدراسات التي أجريت في هذا المجال، دراسة أظهرت أن تناول الثوم يحمي من الإصابة بجرثومة بكتيرية تدعى (H. Pylori) والتي تسبب الإصابة بقرحة المعدة. كما أظهرت دراسة أخرى إمكانية معالجة مرض سعفة القدم (tinea pedis) عن طريق استخدام كريم يحتوى على إحدى المركبات الموجودة بالثوم ويدعى الأجوين (ajoene) بنسبة 0.4%. سعفة القدم عبارة عن مرض تسببه فطريات تصيب القدم وتحدث التهاباً فيها، فبينما تحتاج الأدوية لمدة لا تقل عن (4-6) أشهر لمعالجة المرض، قام هذا الكريم المحتوي على مركب الأجوين بإحداث الشفاء التام في مدة لا تتجاوز (7-14) يوم.

ثامناً: تقليل الإصابة بالزكام، وهنا يتمحور دور الثوم في التقليل من عدد الإصابات بالزكام التي قد يتعرض لها الإنسان، إلا أن تناوله لن يؤثر على عدد الأيام التي سيحتاجها الشخص للشفاء من هذا المرض.

تاسعاً: يستخدم الثوم أيضاً للتخفيف من التعب والإرهاق التي قد يشعر به الإنسان، حيث يعمل الثوم على التقليل من عدد دقات القلب أثناء القيام بالأعمال المجهدة، كما يخفف من مقدار العبء على القلب، وبالتالي يزيد من قدرة الإنسان على تحمل الأعمال الشاقة.

عاشراً: يساعد الثوم في علاج بعض المشاكل الصحية التي تصيب الجهاز الهضمي، حيث يعمل الثوم على التخفيف من الاضطرابات المعوية، كما يعد الثوم طارد للغازات وبالتالي يساعد في معالجة انتفاخ البطن، كما يخفف الثوم من الشعور بالغثيان ومن التشنجات المعوية.


الأعراض الجانبية التي قد تحدث عند تناول الثوم

بشكل عام يعتبر الثوم غذاء غير سام أو غير ضار، وليس هنالك ما يمنع الإنسان من تناوله إلا إذا كان يعاني من حساسية ضده. إن أكثر ما يزعج الإنسان عند أكل الثوم هو الرائحة المنبعثة منه، ولكن في بعض الأحيان قد يؤدي تناوله إلى حدوث بعض الأعراض الجانبية، مثل: حرقة في الفم أو الجهاز الهضمي، أو الشعور بالغثيان، أو القيء، أو حدوث إسهال، لذلك يفضل تناول الثوم مع الطعام للتخفيف من هذه الأعراض. وكما ذكرنا سابقاً يعمل الثوم كمميع للدم ومضاد للتخثر؛ وبالتالي فإنه يزيد من احتمالية حدوث النزيف خصوصاً لدى الأشخاص الذين يتناولون أدوية مميعه للدم مثل الأسبرين (aspirin) والورفارين (warfarin). يفضل أيضاً التوقف عن تناول الثوم قبل 14 يوم من إجراء أي عملية جراحة، وذلك للتخفيف من احتمالية حدوث نزيف بعد العملية الجراحية، كما يمنع استخدامه إذا كان المريض يعاني من وجود نزيف. بالنسبة لتناول الثوم أثناء الحمل أو الرضاعة فليس هنالك ما يثبت حدوث ضرر من ذلك، ولكن ينصح دائماً بعدم تناوله بكميات تزيد كثيراً عن الكمية التي يتم تناولها بشكل اعتيادي مع الطعام.

إعداد: زينب يحيى الصبح/ دكتور صيدلة

اشراف: أ.د. فراس قاسم علعالي

جريدة الغد / الاثنين 13 يوليو 2015